المقريزي
437
المواعظ والإعتبار في ذكر الخطط والآثار ( ط لندن )
وأنّ اللّه تعالى لا يخلق الشّرّ ، وجهروا بأنّ اللّه لا يرى في الآخرة ، وأنكروا عذاب القبر على البدن ، وأعلنوا بأنّ القرآن مخلوق محدث ، إلى غير ذلك من مسائلهم « 1 » . فتبعهم خلائق في بدعهم ، وأكثروا من التّصنيف في نصرة مذهبهم بالطّرق الجدليّة . فنهى أئمّة الإسلام عن مذهبهم ، وذمّوا علم الكلام ، وهجروا من ينتحله . ولم يزل أمر المعتزلة يقوى ، وأتباعهم تكثر ، ومذهبهم ينتشر في الأرض . ثم حدث « مذهب التّجسيم » المضاد لمذهب الاعتزال . وظهر محمّد بن كرّام بن عرّاف ابن خراية أبو عبد اللّه السّجستاني ، زعيم الطّائفة الكرّامية ، بعد المائتين من سني الهجرة ، وأثبت الصّفات حتى انتهى فيها إلى التّجسيم والتّشبيه ، وحجّ وقدم الشّام ، ومات بزغو في صفر سنة ستّ وخمسين ومائتين ، فدفن بالقدس . وكان هناك من أصحابه زيادة على عشرين ألفا على التّعبّد والتّقشّف ، سوى من كان منهم ببلاد المشرق وهم لا يحصون لكثرتهم ، وكان إماما لطائفتي الشّافعية والحنفيّة . وكانت بين الكرّامية بالمشرق وبين المعتزلة مناظرات ، ومناكرات ، وفتن كثيرة متعدّدة أزماتها . « 2 » هذا وأمر الشّيعة يفشو في النّاس ، حتى حدث « مذهب القرامطة » المنسوبين إلى حمدان الأشعث ، المعروف بقرمط من أجل قصر قامته وقصر رجليه وتقارب خطوه . وكان ابتداء أمر قرمط هذا في سنة أربع وستين ومائتين ، وكان ظهوره بسواد الكوفة ، فاشتهر مذهبه بالعراق . وقام من القرامطة ببلاد الشّام صاحب الحال والمدّثّر والمطوّق . وقام بالبحرين منهم أبو سعيد الجنابي من أهل جنابة ، وعظمت دولته ودولة بنيه من بعده ، حتى أوقعوا بعساكر بغداد ، وأخافوا خلفاء بني العبّاس ، وفرضوا الأموال التي تحمل إليهم في كلّ سنة على أهل بغداد وخراسان والشّام ومصر واليمن ، وغزوا بغداد والشّام ومصر والحجاز ، وانتشرت دعاتهم بأقطار الأرض « 3 » . فدخل جماعات من النّاس في دعوتهم ، ومالوا إلى قولهم الذي سمّوه « علم الباطن » . وهو
--> ( 1 ) وهو موضوع كتاب « المغني في أبواب التّوحيد والعدل » لقاضي القضاة عبد الجبّار بن أحمد الهمداني أحد رؤساء المعتزلة ، المتوفى سنة 415 ه / 1024 م . ويقع هذا الكتاب في عشرين مجلّدا كشف والدي - رحمه اللّه - أثناء زيارته لليمن سنة 1951 - 1952 عن نسخة منه تنقص المجلّدات 1 ، 2 ، 3 ، 17 ، 18 ، 19 . وقد طبع هذا الكتاب في القاهرة في سلسلة تراثنا بين سنتي 1960 - 1966 . ( 2 ) انظر عن الكرّامية ، فيما تقدم 412 . ( 3 ) القرامطة في الأصل من دعاة الإسماعيليين ثم انفصلوا عنهم بعد أن لاحظ حمدان قرمط في سنة 286 ه / 899 م بعض التّغييرات في التّعليمات المكتوبة التي كانت تصل إليه من رئاسة الدّعوة في سلميّة ، حيث كانت تعكس تحوّلات هامّة فيما يتعلّق باعتقاد الإمامة ، حيث أخذ عبد اللّه ابن الحسين ( الإمام المهدي فيما بعد ) في الدّعوة لنفسه -